المغالون المتعصِّبون من كل عِرق صنف وطائفة على الإطلاق هم الرعاع السُوقة الدهماء، هم يسوِّقون عنصريّتهم وطائفيّتهم لتصبح عندهم ـ كما يتوهّمون ـ قضيّة، أو هم يحتاجون الأمر لتغطية عيوب وتحويل انظار أو الوصول إلى هدف ما.

مرضى خطيرون، يقدمون على أسوء الأفعال فهم غير أسوياء النفس. وبعد، فالرعاعيّة والسوقيّة هي ذهنية ونمط تفكير لا ترتبط، بطبقة اجتماعيّة ولا قلّة مال أو كثرته، ولا بالتربية المنزليّة أو المدرسيّة إلاّ في أقل القليل، إنما هو شيئ، إحساس بالنقص على الأغلب، بذْرته توجد في نفس الشخص ثم ينمو بمساعدة أحد هذه العوامل أو أكثر.

خطرهم على المجتمع عظيم فهو يقومون بكبت وقمع من لا يشاركهم الرأي، وهم يقتلون ويـُـقتلون من أجله، منهجهم واضح؛لا خيار للآخر ففي أحسن الأحوال: تكلّمْ ولكن ستنفّذ ما نقول، والغالب: اسكت ونفّذ ما نقول.

هذه الصورة تجمع ثلاث من العراقيين : مصطفى جواد، أبي أحمد حامد الصرّاف في الوسط، ثمّ حجي جواد.

نبدأ بمصطفى جواد، إنه من أعاظم علماء اللغة العربية في القرن العشرين، حصل على شهادة الدكتوراة في الأدب العربي من جامعة السوربون في فرنسا، ألّف العديد من الكتب، وحقّق البعض من كتب التراث، وكتب العديد من البحوث وتوفي في بغداد 1969. ولِد في محلّة القشلة في بغداد، وهناك اختلاف يسير في نسبته فبعض من ترجم له يذكر أن عائلته هاجرت إلى بغداد من ديلتاوة في بعقوبة، وآخر يذكر أن والده نزح من قرية تُسمّى تسعين قرب كركوك، وهناك قول أنه من قرية قرة تبة في ديالى. هذه الإختلافات هيّنة وحتى ليست بالمهمة تماماً، إنما المهم هو الخلاف الذي بدأ منذ سنين، ومع التعصب العرقي والتطرّف المذهبي المهدِّم الموجود في العراق. أصبح مصطفى جواد محل تنازع لجهتين؛ جهة تقول انه كردي فيلي شيعي، وأخرى تصر على أنه تركماني، وهذه الجدل لاحظته وأنا في باريس حيث أعيش وذلك في السنين الأخيرة.هذا الأمر لم يكن ليُطرح بهذه الصورة على الإطلاق ولم أكن لأسمع به في بيتنا بالرغم من العلاقة القوية التي تربط مصطفى جواد بأبي، علاقة علميّة مثمرة، وعلاقة انسانية جوهرها المودّة. كنت أعرف فقط، من أمّي،أن زوجته تركمانيّة وهو الذي أخبرها بذلك فقد كان يزورنا فتجالسه أحياناً ويتحدّثان.

مصطفى جواد عراقي، ولخدمة العِلم ووطنه كرّس حياته.

نأتي على الشخص الثاني الموجود في الوسط، احمد حامد الصراف أبي، أمه عربيّة، أبوه كردي كان له رتبة في الجيش العثماني، وإن كان الصراف قد أتقن اللغة التركية بتعليم أمه له، والفارسية من مربيّته، فهو لم يتقن اللغة الكرديّة من أبيه، فهذا لا يتكلّم بها في البيت إلاّ قليلاً جداً ومع الأكراد من الجند وكانا اثنين يكلّفهم بأمور قد تكون بيتيّة أحياناً. أبي يحدّثنا، وهو يبتسم بحب، كيف يتكلّم والده العربيّة : جبْته آني طين (تين) البارحة، وينه طين؟ إيجيب اليوم؟ وأرسلت جدّتي صالحة وهو اسمها، الجنديين إلى السوق لشراء حطب، وحين رجوعهما كان أبي ـ الصغير السن آنذاك ـ حاضراً فحفظ الحديث، قال لها أحدهما : شوفي خانم، هذا عبّاس، هذا حسين، عَمَتْ عينك كَسَرْ رجلك كلمن لكى عليك حتابة وما جابه. فحتى لا تتهمهم جدتي بالتهاون يدعو على نفسه وصاحبه بالعمى وكسر الرجل مشهِّداً على قوله الأئمّة العباس والحسين، إن كان قد عثرا على حطب ولم يأتوا به.

الرجل الثالث صاحب العمامة هو حجّي جواد، عربي شيعي، وهذا أعرفه منذ كنت صغيرة فهو يزورنا في البيت وهو صديق العائلة بأجمعها، رجل لطيف المعشر بجعبته حكايات لا تنتهي في العديد من الأمور. إنه طالب علم دؤوب، يلازم الصرّاف ساعات لعله يظفر بمعلومة أدبيّة تاريخيّة، كان يمتهن تجارة الأنتيكات وهي مهنة ثبت عليها فقد كان له في شبابه فعّاليات حياتيّة عديدة.لم يترك التعلّم يوماً ؛ في نهاية السبعينات من القرن الماضي، بدأ بدراسة اللغة الفرنسية قال انها ضروريّة كلغة، علمياً وتجارياً إلى جانب الإنجليزية.

قال لي مرّة وذلك في منتصف سنين الثمانينات، عراقي يعيش في باريس إنه عرف مؤخّراً أنّ أبي كرديّ من جهة أبيه، ثم سألني : ماذا فعل أبوك للقضيّة الكرديّة؟ قالها وقد ارتسم على وجهه تعبيرهاأنذا قد أحرجتك، وأنا واثق بأنك لن تستطيعي الرد، قلت بهدوء أقرب إلى البرود ومعالم وجه تحمل استغراباً : أي قضيّة هذه؟ أبي عراقي، حياته ونشاطه مكرّس لخدمة وطنه العراق، وليس هو الوحيد في ذلك، استفزّه ردّي وقال : ولكنه كردي والأكراد يريدون وطناً وهم يناضلون من أجل ذلك، قلت ليس الصراف، ولا من هو من نمطه تفكيراً واعتقاداً، فإن كان هناك نضال فهو يناضل من أجل خير وطنه العراق، أرض وتربة تجمع العديد من الأديان والمذاهب والأعراق، ثم أردفت بشبح ابتسامة ساخرة: أنت تعرف أليس كذلك أن وضع العراق هو هذا.

أقول: وهكذا كان نوري سعيد فهو كردي (قرغولي)، بكر صدقي، أحمد مختار بابان يدلّ عليه لقبه. وهكذا كان من أدباء العراق الشاعر جميل صدقي الزهاوي، ولقبه دالّ عليه، والشاعر معروف الرصافي، وهو معروف الجاباري، من أب كردي وأمّ تركمانيّة، و"الرصافي" سمّاه به استاذه العالم محمود شكري الآلوسي،ليكون للرصافة "معروفها" كما الكرخ، قالها بالإشارة إلى الشاعر معروف الكرخي. وليس المجتمع العراقي بالوحيد في ذلك، أذكر : محمد كرد علي في سوريا (ت 1953) رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق ومؤسسه(1)،من أكابر علماء القرن العشرين في الفكر والأدب، حامل راية اللغة العربية، من أعلام النهضة واليقظة في كل ما قام به من فعّاليات علميّة على مدار سنين حياته. كذلك كان الشاعر محمود سامي البارودي في مصر أحد زعماء الثورة العرابيّة (ت 1904)، من أصل شركسي. وإذ نأتي على أمير الشعراء كما لُقـِّب ـ وهو أميرهم بحق ـ أحمد شوقي (ت 1932) نجد أن أمه من أصول يونانية وأن الأب شركسي وهكذا...وما هذه إلاّ أمثلة. إن سبب عدم معرفة كثير من الناس بالإنتماء غير العربي لهؤلاء المشاهير إنهم لم "يتطوّعوا" من تلقاء أنفسهم لذكر أنسابهم، فالتطوّع ـ في الغالب ـ مشبوه، فهو يستعمل لغايات ومصالح شخصيّة ضيّقة، وهم يعرفون هذا ويأنفون منه، وهم يحبون أوطانهم فينتسبون إليها، وإنما تُعرف انتماءاتهم حين تجري ترجمة لهم في الكتب أو يُسئل الواحد منهم عن ذلك تحديداً لغرض ما كمقال صحفي أو بحث وغيره. وهكذا عرفنا أصل العالم السوري محمد كرد علي، فقد طُلب منه ذلك تحديداً في مقابلة صحفية معه فذكر أن أبيه من أكراد السليمانية في العراق وهاجر إلى دمشق واستقرّ بها وأن أمه شركسية من قفقاسيا.

العراق، إنه وطن الجميع

تربة وهواء واحد يجمعهم ؛عربي،كردي، تركماني، آثوري....مسلم على تعدد المذاهب، نصراني على تعدّد المذاهب، يهودي، صابئي يمارس طقوساً ترتبط بالنبي يوحنّا المعمدان الذي عمّد المسيح في نهر الأردن، عليهما السلام. أديان متعدّدة وربّ واحد، كل من سبق الرسول الكريم محمد (ص) من الأنبياء والرسل هو جزء من عقيدة المسلم، ومن ينكر نبوّة أو رسالة مُرسل يكون خارج الملّة الإسلامية، حكم قضت به الشريعة الإسلامية. هذا كان عامل وحدة مُضافة، وربما هو الجوهر والأساس.

الأب انستاس ماري الكرملي (ت 1947) هو من أب لبناني هاجر إلى العراق/ بغداد واستقرّ فيها وتزوّج من بغدادية فكان الكرملي.إنه أحد من يفتخر العلم به في كافّة مجتمعات الأرض والعراق خصوصاً(2)

في حفل التأبين الذي اُقيم له في بغداد القى أحمد حامد الصراف قصيدته جاء فيها:

وعشنا وعاشت في الدهور بلادنا  جوامعنا في جنبهنّ الكنائس

وسوف يعيش الشعب في وحدة له  عمائمنا في جنبهن القلانس

كان الصراف من مرتادي مجلس الكرملي الذي يرتاده علماء العراق من كافّة الأعراق والأديان. وألقى الشاعر مهدي مقلّد قصيدته في تأبين الكرملي جاء فيها :

فالقلب من دين ابن مريم وحيه والفكر من لغة النبي محمد

إنّ ابن مريم والنبي محمدا  نوران نور هدى ونور توحد.

 

(1)انظر الأعلام للزركلي، وبه معلومات وافية عنه ومصادر سيرته. اسمه محمد بن عبد الرزاق بن محمد كرد علي.

(2)الأعلام للزركلي يحتوي على ترجمة قصيرة ولكنها وافية للكرملي ويذكر مصادر الترجمة.

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)