عبدالله بن أحمد الفَـيْفي- سُموم الثقافة

ما الإرهاب؟  مَن يعرف؟  بالتأكيد ليست من ضمن ‏ممارساته- والعياذ بالله!- لا حرق الناس في الشوارع، ولا تسميمهم في المساجد، ولا إبادتهم بالصواريخ ‏الكيمياويّة،...

بل هذه بطولات وطنيّة مجيدة، لدحر الأطفال والنساء من الأعداء الغاصبين؛ كي نبهر ‏العالم، بوقفاتنا المُضَريّة التاريخيّة في حماية الذِّمار، وصون الدِّيار، ضِدّ الخونة، والعملاء، ‏و«المتخابرين» مع الخارج، المتآمرين مع أعداء الأُمَّة من الصهاينة، والمتأمركين، والمتأسلمين، ‏والإخوان، والوهابيّين، والسلفيّين، والقاعدة، وباختصار مع كلّ مَن لم يكن على شاكلتنا، أو في هوانا ‏العُذري.. ومِن بَعدها قل ما شئت؛ فـ«سوبرماركت» الملصقات حافل بكل النعوت، لتعرية هؤلاء ‏الضالعين في تعكير فردوسنا الأرضي المحسود، حرسه الله! 

هكذا يُغسل الدماغ.  في حين تجد الإنسان البسيط، الذي لم تَمْسَخ فطرتَه النقيّةَ تلك الآفةُ التي ‏تسمَّى الثقافة والإعلام الموجَّه، ما زال حُرًّا، مستقلّ الروح والعقل والتوجّه، ما لم يُدَجَّن.  لن تجد لمثل ‏هذا الكائن الذي ليس مثقَّفًا تلك الحسابات «الدوغمائيّة» الوحشيّة العمياء، التي تقلب الحقّ باطلًا، ‏والليل نهارًا، والقبيح جميلًا، والمقتول قاتلًا، والخائن وطنيًّا، والشريف عميلًا، والسفّاح إلاهًا بَرًّا رؤوفًا ‏رحيمًا.‏

ولقد باتت الأديان، بدورها، اليوم، وفي هذه الضوضاء العنصريّة، وصراعات الولاءات ‏والبراءات، مادّةً أساسيّة لتسميم العقول والنفوس. الأديان، التي ما جاءت إلّا إصلاحًا، ورحمةً، وخيرًا ‏للبشريَّة، صارت تصبّ النفط على ما في الإنسان من بقايا العنصريّة والتوحشّ، فتُمزِّق الشعوب كلَّ ‏ممزَّق، بل تمزِّق الأُسَر، والصداقات.  كم كان الناس يَحيون متجاورين بوصفهم من بني الإنسان، ‏بغضّ النظر عن انتماءاتهم الطائفيّة، أو حتى الدِّينيّة!  وكثيرٌ منّا أدرك أطرافًا من ذلك؛ فكان الشيعي ‏والسُّنّي، والمسلم واليهودي والمسيحي، كلّ أولئك يتعايشون بوصفهم بشرًا، تجمعهم مصالح دنيويّة، ‏وشؤون وشجون. ما كانت تُقِضّ مضاجع الناس يومئذٍ إلّا النعرات القَبَليّة، أو العِرقيّة، التي تُوقِع ‏العداوة والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد، والمِلّة الواحدة، وتستعيد أيّام العرب الدمويّة وحروبهم ‏الجاهليّة الطاحنة.  غير أنه قد تطوَّر الفكر القَبَلي إلى حركات نازيّة في العصر الحديث، باسم ‏القوميّات، وما أدراك ما القوميّات؟!  وهل القوميّة سوى عُنصريّة مغلّفة بشعارات فارغة؛ لتُلغي في ‏النهاية فكرة الإنسانيّة، التي جاءت الأديان لتُرسِّخها بين الناس، ليكونوا سواسية: «شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ‏لِتَعَارَفُوا؛ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ».  الأصل أن الإنسان أخو الإنسان، وأن الكُرَة الأرضيَّة مُلك ‏للبشريّة جمعاء، لا فَرْق ولا تفريق، إلّا بحقوق قانونيّة مكتسبة.  لكن الإنسان اصطنع بتعصُّبه، وضِيْق ‏نفسه، فكرتَين مدمِّرتَين: (قداسة الدم)، و(عبوديّة التراب).  الأُولى باسم (القوميّة) العِرقيّة، والثانية باسم ‏‏(الوطن).  فلا هو استطاع تحقيق نظريّته الحمقاء تلك، ولا هو سَلِم من شرِّها.  إنْ هي إلّا عقائد فاسدة ‏مفسِدة، تصنع التناكر والتدابر والتناحر، بدل التعارف الذي أراده خالق الإنسان على هذه الأرض.  ولقد ‏كان أسعدَ الناس قديمًا من لا ناقة له ولا جمل مع هذا الفريق أو ذاك من المتناحرين قَبَليًّا وقوميًّا.  كان ‏يحيا حُرًّا طليقًا، كالطائر، بلا انتماء دمٍ ولا تراب، ولا يحزنون.  وفيما عدا ذلك، فما عليه أن يعتنق ما ‏شاء من الأديان أو المذاهب؛ لن يسأله أحدٌ ما دِينه؟ ولا مَن نبيّه؟ اللهمّ إلّا منكَرٌ ونكير!  حتى نَجَمَ ‏التسييس الدِّيني، والتديين السياسي، فاشتعل العالم من أقصاه إلى أقصاه، بل لم يَعُد أبناء أبٍ واحدٍ وأُمٍّ ‏واحدةٍ متفقِين دائمًا.  ونشبت أظفار الحزازات، ودَقَّت الولاءاتُ بين الناس «عِطرَ مَنْشِم». ذلك لأن ‏لكلّ مخلوقٍ من البَشَر، بالضرورة، اتجاهًا، وفهمًا، ورؤيةً، ومَيْلًا فكريًّا، وربما مذهبيًّا، أو سياسيًّا.  ‏وذلك أمرٌ طبيعيٌّ، وهكذا خلق الله البَشَر مختلفين، «ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً، ولا يَزَالُونَ ‏مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ؛ ولِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ».  لكنه قد بات اكتشافُ الناسِ أنهم مختلفون فراقَ بينهم، ‏وشِقاقَ ما جمع الله فيهم من أواصر قُربَى، ما أباح الله انتهاكها قَط إلّا بحقّها.  وحقّها ليس سِوى ‏العُدوان، والظلم.  وإلّا، فمنطق القرآن الكريم قائل لكلّ عاقل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ ‏شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ، واتَّقُوا اللَّـهَ، إِنَّ اللَّـهَ ‏خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ»، و«لا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في الدِّينِ، ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ، أَن ‏تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ؛ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ في الدِّينِ، ‏وأَخْرَجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ، وظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ، أَن تَوَلَّوْهُمْ، ومَن يَتَوَلَّهُمْ، فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.»  ‏فأين هذا المنطق العقلاني العادل؟! 

على أن مبدأ التسامح الذي يتشدّق به الناس اليوم، في الاحتفاليّات والمناسبات والمنافقات، ليس ‏هو المطلوب فقط في الإسلام؛ لأن التسامح إنما يعني غَضّ الطَّرْف عن المُخالِف إلى حين، أو قل ‏التجاوز عنه، رغبةً أو رهبةً أو ازدراءً وترفُّعًا، كمَن يتسامح مع مذنِب.  لا، بل منطق القرآن يقول ‏ببِرِّ هؤلاء، والبِرُّ هو أعلى درجات المحبّة والرحمة والعطاء؛ ولذلك جاءت الوصيّة به للوالدين ‏تخصيصًا، وكذلك بالإقساط إليهم.  بمعنى آخَر جاء الخطاب القرآني من أجل إرساء عولمةٍ على أساسٍ ‏إنسانيٍّ، بنزع كلّ أسباب العداوة بين الناس، كائنةً ما كانت هويّاتهم الدِّينيّة.  أمّا المقاتِل والظالم، فلا ‏كرامة لهما، مسلمَين أو غير مسلمَين.  وهذا أمر بدهي.  فأين ذهب كلّ هذا، يا عباد الله؟! ‏

ذهبَ إلى حيث ألقت بنا السياساتُ والولاءاتُ، وتوظيف كلّ العواطف السلبيّة ضدّ الآخَرين، ‏لتحقيق مآرب دنيويّة باسم الدِّين.  بل قبل هذا ذهبَ (ذلك الأصل العقلاني السليم)، ومنذ القِدَم، نتيجة ‏اختطاف الإسلام، وتشويهه، وتنفير العالم منه، في كلّ مذهبٍ إسلاميٍّ، وبأقدار متفاوتة.  ذهبَ نبعُه ‏الصافي بتعبُّد البشر للمرويّات، بكلّ ضعفها، وزيفها، واعتلالها، وما تحوم حول صحّتها من مقالات، ‏مُعرِضين عن صريح الكتاب، كتابِ الله، بل جاعلين تلك المرويّات عليه مهيمنة!  فتفرّقت السُّبل، ‏وتعدّدت «الإسلامات»، بتعدّد المرويّات المنسوبة إلى الرسول، وانشعب المسلمون إلى ما لا يحصى ‏من الفِرَق والشُّعَب، كلّ واحدة تظن أنها الناجية، والعالَم من حولها هالك، جرّاء اتّباع كلّ فرقةٍ مذاهب ‏روائيّة، لا مذاهب قرآنيّة؛ فما انصدع جمع المسلمين لاختلافهم في القرآن، بل لاختلافهم فيما يتديَّن به ‏كلّ حزبٍ من مرويّات. أ وليس لمثل هذا نهَى الرسول عن تدوينها، وأعرض الصدر الأوّل عن ذلك ‏إعراضًا، حتى استنشأتها السياسةُ وضروراتُ الاستشهاد على كلّ اتّجاهٍ وأيّ اتّجاهٍ بعد عشرات السنين ‏من وفاة الرسول؛ فباتتْ مزادًا علنيًّا، وغدتْ منشوراتٍ دعائيّةً، يسوِّق بها كلّ صاحب مصلحة ‏مصلحته، أو تاجرٍ تجارته، حتى بائع الخيار؛ فـ«الخيار لما أُكِل له»، حديث صحيح! 

لا عجب، إذن، أن ترى كل إنسان يقتل آخاه اليوم وباسم الله الرحمن الرحيم!  كلّ الحروب في ‏العالم الإسلامي تُدار باسم الله، وبأسانيد ومتون معتبرة لدى أصحابها.  أمّا على مستوى العالم أجمع، ‏فحتى (بوش) الابن اضطرّ لتسويغ سياساته في العالم، ولكي يكسب بخطابه «الديماغوجي» ألباب ‏الناس، إلى أن يقول، بكلّ صفاقة، إنه مؤيَّد من السماء، بل إنه بات يوحَى إليه لإنقاذ بعض البشر من ‏بعض.

لأجل هذا لم يَعُد الدِّين دِينًا، بل أصبح سُلَّمًا إلى غايات.  لم يَعُد علاقةً بين الإنسان وبين الله، ‏وإصلاحًا للناس، وبين الناس، بل صار علاقةً بين الإنسان وبين الصولجان الذي يمكِّنه من أن يسوق ‏الشعوب سوقًا كالسائمة إلى حيث شاء، هاشًّا عليها بِعَصاه التي لا قِبَل لأحدٍ في الكون بالوقوف أمامها.. ‏وإلّا فلا يلومنّ إلّا نفسه.‏ 


د.عبدالله بن أحمد الفَـيْفي، أديب وأكاديمي سعودي، نقلا عن صحيفة «الرأي» الكويتية، 29 يناير 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


 

 

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)