آفين ديركي- لمحات من حوار الغيطاني مع الأعرجي

مع الأفضل،..

من أجل الأفضل...

introimage

في الفصل الأول من كتاب "أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي بين العقل الفاعل والعقل المنفعل" وضع المفكر الأعرجي الأمة أمام خيارها الحاسم بين النهضة أو السقوط. ويقصد بذلك أن الوقت قد حان، بل أزف، للاختيار الحاسم بين النهضة، التي حاولناها منذ قرنين، وفشلنا في تحقيقها، حتى الآن، بدليل ما وصلت إليه اوضاعنا من ترد ٍ وضعفٍ ونكبات، وبين احتمال سقوط هذه الأمة بل انقراضها.

 فعلى سبيل المثال، وفي إطار الحوار الذي جرى على قناة النيل الفضائية في القاهرة، بمناسبة صدور الطبعة الثالثة للكتاب( المزيدة والمنقحة) اعترض الأديب المعروف جمال الغيطاني، الذي استضاف المفكر الأعرجي في برنامجه "علامات" لمدة ساعة، على فكرة احتمال انقراض هذه الأمة، الواردة في الكتاب. فبعد ان قدمه للجمهور كمفكر عراقي كبير، له آراء ونظريات عميقة وجريئة، قال مستنكرا: "قد يبدو السؤال غريبا، أحيانا أقرأه في كتابك واحيانا أصغي إليك بدهشة: هل سينقرض العرب؟ للوهلة الأولى يبدو السؤال عبثياً!!!. أمة عظيمة عريقة لها امتداد كبير في الزمان والمكان والتاريخ، قدمت للإنسانية عطاءات هائلة، ثم يأتي البعض ويتساءَل هل سينقرض العرب؟

 استدرك الأعرجي، فأشار في بداية رده على الغيطاني أن انقراض الأمم والحضارات ليس غريبا على التاريخ الحضاري، فإن الأمم تموت، وتنشأ على انقاضها أممٌ أخرى، والحضارات تولد وتنمو وتشب وتزدهر ثم تميل إلى الانحطاط التدريجي فتذوي وتشيخ ثم تنقرض. وأول من اكتشف هذه الظاهره العلامة عبد الرحمن بن خلدون في مقدمتة الشهيرة لكتابه التاريخي المعروف "كتاب العِبر وديوان المبتدا والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر". ثم تبعه المؤرخون الغربيون بعد عدة قرون ومنهم المفكر ألألماني المعروف أزولد شبنغلر، فوضع كتاب "سقوط الغرب"، مستعرضا ً نفس فكرة سقوط الحضارات. ثم أكد الأعرجي على نظرية المؤرخ الفيلسوف أرنولد توينبي، في كتابه الموسوعي "دراسة للتاريخ"

Study of History(13 مجلدا)، حيث ذكر فيه أن 14 أمة أو حضارة عظيمة كانت قد انقرضت وبقيت سبعة حضارات، ست منها في طريقها إلى الاندثار، ومنها الحضارة العربية الإسلامية، أما الحضارة الغربية الحديثة فإن مصيرها ما يزال مجهولا ً، كما يقول توينبي.

وأضاف الأعرجي قائلا إنه يجازف في تناول هذا الموضوع الحساس، انطلاقاً من حرصه الشديد، كقومي عربي، على مستقبل هذه الأمة العظيمة، التي تزداد تراجعاً أمام أعيننا في كل يوم وعلى جميع المستويات تقريبا. ثم أسهب المؤلف في شرح الفصل الأول الذي يذكر سبعة عشر مؤشراً على المسيرة التراجعية للأمة، التي قد تؤدي إلى انقراضها. فضلا عن إشارته الوافية إلى تقارير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية، ولاسيما تقرير عام 2002، الذي يُثبت أن الأمة العربية أصبحت في ذيل الأمم، بل من اكثر البلدان تخلفاً.

 ومع اعترافه بذلك، إلا أنه يرى من الجانب الآخر أن هذه البلدان العربية تتميز بأهم عناصر الأمة، التي تتميز على الرغم من تعدد أقطارها، بوحدة اللغة والثقافة والتراث/التاريخ والآمال والتطلعات، فضلا عن الإقليم المتصل، الذي يمتد من المحيط إلى الخليج. لذلك فالمؤلف يأمل ويتوقع ويسعى بإلحاح إلى تحقيق اتحادها قدر الإمكان، أو تكامل بلدانها على الأقل، لمواجهة التحديات العظيمة التي تواجهها، سواء أمام إسرائيل خاصة أو الدول الاستعمارية عامة. ويتساءل: لماذا تمكنت البلدان الأوربية من تحقيق اتحادها، مع اختلافها الكبير في اللغات والثقافات، بينما تعجز البلدان العربية من تحقيق ذلك رغم أشتراكها في اللغة والثقافة والتراث والإشكاليات والتطلعات؟

وفي هذا السياق، نجح الأعرجي مثلا، بعد جهود مضنية استمرت عشرة أعوام، في إقناع المؤتمر القومي العربي بالموافقة على إنشاء منظمة شعبية عربية تمثل الشعوب العربية، وتدافع عن حقوقها، إلى جانب الجامعة العربية التي يعتبرها كسيحة، كما انها لا تمثل شعوبها بل تمثل الأنظمة العربية الفاسدة أو الخاضعة والتي ليست لها شرعية شعبية، بل وصلت إلى السلطة أما بالقوة أو بالوراثة بطرق مختلفة بعيدة عن إرادة شعوبها. وقد تحدث عن هذا الإنجاز في ذلك اللقاء. (انظر دراسة نُشرتْ له، تحت عنوان " نحو خطة عمل لإنشاء جامعة شعبية عربية"، في مجلة" المستقبل العربي" (بيروت؛ العدد 410، نيسان/ أبريل 2013، ص129149).

ومن جهة أخرى فإن الكاتب لم يقطع الطريق أمام أحتمال إنقاذ هذه الأمة من هذه الغُمّة، كما هو واضح من عنوان الفصل الخيار الحاسم: النهضة أو السقوط كما ورد اعلاه.

لذلك عندما سأله الغيطاني عن مقترحاته بشأن هذا الاختيار الحاسم، بين النهضة والسقوط، أو كيف نحقق هذه النهضة التي وضعها كخيار أول قبل السقوط، أسهب الأعرجي في شرح ما طرحه في هذا الكتاب: نظريتان لتفسير الأزمة التي يعاني منها العرب، ونظرية ثالثة قد تقدم الحلول الممكنة لها. فنظرية "العقل المجتمعي" و نظرية عدم مرور العرب بمرحلة الزراعة على نحو يكفي لمحو القيم البدوية، التي ما تزال تنخر في العقل المجتمعي العربي، تمثلان نظريتين لتأصيل وتنظير الأزمة، باعتبار أن ذلك يشكل محاولة لتحويل الظاهرة من كونها حالة غير متعينة إلى حالة متعينة، على حد تعبير الفيلسوف الامريكي جون ديوي، وهكذا تصبح خاضعة للنقاش والنقد والتحليل. فضلا عن أن تحديد الإشكالية وتفسيرها أو تنظيرها بغية فهمها، يشكل جزءاً مهماً من حلها. لاسيما وأن تشخيص الداء بشكل دقيق يعتبر أمراً ضرورياً لوصف الدواء الملائم. أما النظرية الثالثة التي تقترح الحلول فهي "نظرية العقل الفاعل والعقل المنفعل".

والعلاقة بين هذه النظريات الثلاث جدلية، (ديالكتيكية) متفاعلة ومتكاملة، على حد قوله. بمعنى أن كل واحدة منها تؤثر في الإثنتين الأخرتين، وتتأثر بهما في نفس الوقت. مثلا: يرى أن العقل المجتمعي العربي يمكن أن يتطور ويتقدم إذا نجحت جهود بعض الرواد العرب الذين يتحلون بـ"عقل فاعل" في تغييره عن طريق نقده وتحليله بكشف أمراضه وأدرانه. وإذا تطور العقل المجتمعي العربي فإنه يفتح الباب، ولو قليلاً، لظهور رواد جُدد كانوا صامتين خوفا من قهر زبانيته واستبداد حُرّاسه.

 ويرى الأعرجي أن العقل المجتمعي المعاصر متخلف، في معظمه، لأنه يمثل المحصلة النهائية لجميع ما مرَّ على هذه الأمة من أحداث ومجريات خلال تاريخها الطويل، ولاسيما في القرون الخمسة الأخيرة التي تمثل الفترة المظلمة، بالإضافة إلى العصر الجاهلي حيث كانت البداوة منتشرة ومتغلبة. ومع ان الإسلام حارب البداوة بشدة، إلا انها ظلت مؤثرة وفاعلة في ذلك العقل المجتمعي بشكل واضح، ظهر مثلاً من خلال النزاع الدموي على الخلافة، مما ظل قائماً ومؤثراً حتى العصر الحديث، حيث كشف عن وجهه البشع في النزاع الطائفي في العراق، بوجه خاص، ثم انتشر في بعض البلدان العربية الأخرى، ومنها السعودية واليمن والبحرين ولبنان. وقد شرح ذلك من خلال نظريته الثانية في عدم مرور العرب بمرحلة زراعية كافية لمحو الخصائص البدوية العشائرية التي ما تزال متغلغلة لاسيما في المجتمعات الخليجية، كما في العراق وسورية والأردن واليمن وليبيا والجزائر، بنسب متفاوتة. هذا لايعني أن الزراعة غير سائدة في هذه البلدان، بل يعني أن القيم البدوية ظلت متغلغلة وفاعلة في المجتمعات الزراعية أيضا، بل في المجتمعات الحضرية. ويُفرّق المؤلف، خلافاً لمعظم الكُتّاب والمفكرين، بين هذه المجتمعات "الحضرية"، من جهة والمجتمعات "المتحضرة" من جهة أخرى.

 فالاولى هي المجتمعات التي سكنت المدن، ولم تأخذ من الحضارة سوى قشورها، كما هي الحال اليوم في المجتمعات الخليجية التي كانت بدوية أصلاً، ثم أغتنت بين ليلة وضحاها، فسكنت المدينة، ثم أخذت تبني مؤخراً الأبراج العالية، التي تفتخر، بسذاجة بدوية، أنها أعلى من ناطحات السحاب في أمريكا مثلا، في الوقت الذي عجزت فيه عن أنشاء مصنع واحد للسيارات التي تنفق فيها عشرات البلايين من الدولارات سنوياً، ناهيك عن فشلها في استثمار هذه الثروة الريعية الهائلة، في بناء بنية تحتية للصناعات الثقيلة والدقيقة التي تشكل العمود الفقري لكل تقدم صناعي فحضاري، وتحسباً لنفاد مصادر ثروتها النفطية، أو تدني أسعارها. لذلك فالمؤلف يطلق عليها "المجتمعات الحَضرِيّة"، أي التي أنتقلت بسرعة من مرحلة البداوة إلى مرحلة التحضُّر(وليس الحضارة).

 بينما يعني بالثانية المجتمعات التي نالت قسطاً كبيراً من التقدم الحضاري وارتفعت في مقياس سُلـَم الحضارة إلى مراتب عليا، ولاسيما في ميادين العلم والمعرفة والفكر وبالتالي التقدم الصناعي فالاقتصادي فالثقافي فالاجتماعي.

 أما نظريته في "العقل الفاعل والعقل المنفعل"، فمن خلال فهمي لها، بعد أن امعنت النظر في كتابه المذكور أعلاه، قد يمكن أن ألخصها وأبسّطها، بما يلي:

1- يولد الإنسان بعقل فاعل يتطلع عادة لاكتشاف المجهول وربما التفكير في علة وجود الأشياء، وتظهر هذه الخاصية من خلال فضول الطفل الطبيعي ومحاولة فهمه لمظاهر الحياة والكون.

2 ولكن هذه الخاصية تخبو تدريجيا، نتيجة احتكاك الطفل بمربيه(أسرته ومعلميه.... ) الذين يفرضون عليه مفاهيم وقيم واعتبارات العقل المجتمعي السائدة والنافذة في ذلك المجتمع، بما فيها الأعراف والتقاليد والمعتقدات(المسلمات). فيتحول عقله تدريجيا من حالة الفاعلية إلى حالة الانفعال، أي يتحول من عقل فاعل إلى عقل منفعل.

3 ومع ذلك قد يظهر في بعض المجتمعات بعض الأشخاص الذين يستطيعون الاحتفاظ بعقلهم الفاعل، أو يستعيدون فاعليته بعد زمن، الأمر الذي يجعلهم يعيدون النظر في العقل المجتمعي السائد، أو جميع أو معظم ما يؤمن به مجمل أفراد المجتمع من اعراف و تقاليد أو قيم ومعتقدات، أصبحت تعتبر من المسلمات. وبعض من هؤلاء يصرح بآرائه وينشرها على الملأ. وغالبا ما يتعرض هؤلاء العباقرة لغضب حُراس العقل المجتمعي أو زبانيته، بتعبير الأعرجي، فيلاقون الأمرَّين، أو يعاقَبون بمختلف العقوبات التي تصل إلى حد القتل أحيانا. ويذكر الكاتب بعضهم، ومنهم الأنبياء كعيسى (ع)، الذي صُلب، ومحمد (ص)، الذي لقي مالقي من عسف واضطهاد قريش التي حاولت قتله، وسقراط، الذي أُعدم، وجوردانو برونو(أحرق حيا). أما في العصر الحديث فيذكر منهم فرج فودة(قُـتل) ونجيب محفوظ (طُعن، وأصيب بالشلل الجزئي)، و الشيخ علي عبد الرازق(عُزل من القضاء ومن درجة العالمية)، ونصر حامد أبو زيد(حُرم من درجة الأستاذية وطـُلـِق من زوجته) وعلي الوردي الذي لاقى الأمرين من اضطهاد السلطة، ومحمود محمد طه، السودان(أعدم)، وغيرهم.

للحصول على نسخة من كتاب "أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي، أضغط هنا 

من أفكار الكاتب

إمساك الحاكم العربي بالمفاصل الرئيسة للدولة، يجعل الجمهور أكثر اقتناعاً بضعفه، وبعدم قدرته على إحداث أية تأثيرات مهما كانت طفيفة في توجهات السلطة وسياساتها.

فايز سارة (العرب وتحديات القرن الواحد والعشرين)

ليس من قبيل المصادفة أن تنتهي اغلب الدراسات الفاحصة للأدب العبري الى أن "التجربة الحربية" هي زاوية الارتكاز  والدرس في شتى جوانب النشاط الإنساني في اسرائيل.

السيد نجم (الطفل والحرب في الأدب العبري)

 

الدولة كائن حي قابل للنمو، وهذه القابلية تدفع به على الدوام، للنمو على حساب الدول أو الدويلات المجاورة، ولو اضطره ذلك الأمر الى الاستخدام الدائم لوسيلة الحرب.

عبد العظيم محمود حنفي (الشرق الأوسط: صراعات ومصالح)

 

علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على مداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة.

ابراهيم أبراش (علم الاجتماع السياسي)

 

E-KUTUB LTD شركة بريطانية مسجلة برقم: 7513024

جميع الحقوق محفوظة، وتشمل التصاميم والكتب المعروضة والبرامج المستخدمة، وهي خاضعة لاشراف مكتب قانوني.